الحلبي

186

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بهم ، وعسكر عبد اللّه بن أبيّ على ثنية الوداع ، أي أسفل منها ، لأن معسكره صلى اللّه عليه وسلم كان على ثنية الوداع ، وكان عسكر عبد اللّه بن أبيّ أسفل منه . قال ابن إسحاق رحمه اللّه : وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين ، أي والتعبير عن ذلك بالزعم واضح لأنه يبعد أن يكون عسكر عبد اللّه مساويا لعسكره صلى اللّه عليه وسلم فضلا عن كونه أكثر منه فليتأمل ، وقال عند تخلفه : يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحرّ والبلد البعيد : أي ما لا طاقة له به ، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب ، واللّه لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال ، يقول ذلك إرجافا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبأصحابه أي وقيل للروم بنو الأصفر ، لأنهم ولد روم بن العيص بن إسحاق نبي اللّه عليه السلام ، وكان يسمى الأصفر لصفرة به . فقد ذكر العلماء بأخبار القدماء أن العيص تزوّج بنت عمه إسماعيل فولدت له الروم وكان به صفرة ، فقيل له الأصفر ، وقيل الصفرة كانت بأبيه العيص . ولما ارتحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ثنية الوداع متوجها إلى تبوك عقد الألوية والرايات ، فدفع لواءه الأعظم لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، ورايته صلى اللّه عليه وسلم العظمى للزبير رضي اللّه عنه ، ودفع راية الأوس لأسيد بن حضير رضي اللّه عنه ، وراية الخزرج إلى الحباب بن المنذر رضي اللّه عنه ، ودفع لكل بطن من الأنصار ومن قبائل العرب لواء وراية ، أي لبعضهم راية ولبعضهم لواء ، وكان قد اجتمع جمع من المنافقين أي في بيت سويلم اليهودي ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بني الأصفر . أي وهم الروم كقتال العرب بعضهم بعضا ، واللّه لكأنهم يعني الصحابة غدا مقرنون في الحبال ، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين ، والجلاد : الضرب بالسيوف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك لعمار بن ياسر رضي اللّه عنه : « أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل بل قلتم كذا وكذا ، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم ، فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتذرون إليه وقالوا إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل اللّه تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [ التّوبة : الآية 65 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم للجد بن قيس : يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر ، قال : يا رسول اللّه أو تأذن لي أي في التخلف ولا تفتني ، فو اللّه لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : قد أذنت لك ، فأنزل اللّه تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ التّوبة : الآية 49 ] الآية . وفي لفظ أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اغزوا تبوك تغنموا بني الأصفر نساء الروم ، فقال قوم من المنافقين : ائذن لنا ولا تفتنا فأنزل اللّه تعالى الآية : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [ التّوبة : الآية 49 ] » أي التي هي التخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والرغبة عنه . وفي لفظ أنه صلى اللّه عليه وسلم قال للجد بن قيس : « يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك